أبي منصور الماتريدي

393

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - وقد اختلف علماء اللغة وأهل الفقه والحديث في الفرق بين الفقير والمسكين وأيهما أشد حالا من الآخر : فذهب يعقوب بن السكيت والقتبي ويونس بن حبيب إلى أن الفقير أحسن حالا من المسكين ، قالوا : الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين هو الذي لا شيء له واحتجوا لذلك بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد وجه الدلالة : أنه وصفه بالفقر مع أن له حلوبة . وذهب إلى هذا أبو حنيفة ومالك وآخرون من أهل اللغة والحديث والفقه . والسبد : الوبر ، وقيل : الشعر ، والعرب تقول : ما له سبد ولا لبد ، أي ما له وبر ولا صوف متلبد ، ويكنى بهما عن الإبل والغنم . والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام ، يقال : حلوبته وفق العيال أي له قدر كفايتهم لا فضل فيه . وقد نوقش الاستدلال بهذا البيت : بأن هذا الذي هو موصوف الآن بكونه فقيرا كانت له فيما مضى حلوبة فلا ينتهض دليلا على ما تدعون . واستدلوا على أن المسكين أسوأ حالا من الفقير بقوله تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ . قالوا : لأن المراد أنه يلصق التراب بالعرى ، الأمر الذي يدل على شدة الحاجة . ونوقش هذا الاستدلال : بأن تقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه ذا متربة ، وإنما يكون كذلك بتقدير أنه يملك شيئا وإلا لخلا القيد عن الفائدة . وقال الشافعي والأصحاب : الفقير هو من لا مال له ولا كسب أصلا أو له مال أو كسب لا يقع موقعا من كفايته ، بأن كان يحتاج كل يوم إلى عشرة دراهم وهو يملك درهمين أو ثلاثة أو أربعة كما قاله القاضي أبو الطيب . أما المسكين فهو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه ؛ كمن يحتاج إلى عشرة دراهم ولا يملك إلا سبعة أو ثمانية أو لا يقدر إلا على اكتساب ذلك القدر . فالفقير أشد حالا من المسكين ، وذهب إلى هذا الأصمعي وغيره وحكاه الطحاوي عن الكوفيين واستدلوا لهذا بوجوه : الوجه الأول : أنه أثبت الصدقات لهذه الأصناف المذكورة في الآية الكريمة دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدل على أن الذي وقع الابتداء به يكون أشد حاجة لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ، ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ، ومن فضل عثمان على عليّ عليه السلام قال في ذكرهما : عثمان وعلىّ ، ومن فضل عليّا على عثمان يقول : على وعثمان . وأنشد عمر قول الشاعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال : هلا قدم الإسلام على الشيب ، فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين . الوجه الثاني : قال أحمد بن عبيد : الفقير أسوأ حالا من المسكين ؛ لأن الفقير في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره فصرف عن مفقور إلى فقير ، كما قيل : مطبوخ وطبيخ ومجروح وجريح ، فثبت -